الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

63

نفحات الولاية

وتتضمن المسألة أمرين مهمين يجدر الالتفات إليهما : أحدهما عطف أصحاب عقيدة وحدة الوجود على المجبرة والمجسمة وجعل الجميع بمنزلة واحدة ، والآخر بان عقائدهم تنطوي على مفاسد دينية إذا التزموا بها خرجوا من ربقة الإسلام وإن لم يلتزموا بها فهم مسلمون . فالكلام يفيد بما لا يقبل الشك أنّ مذهب هؤلاء يتصف ببعض المفاسد التي يؤدي الالتزام بها إلى الخروج عن صف المسلمين . أمّا الجدير بالذكر هو أنّ كافة العلماء الذين كتبوا حاشية على العروة الوثقى - حيث جرت عادة العلماء الكشف عن اجتهادهم وقدرة استنباطهم للأحكام الشرعية من مصادرها المقررة على كتابة تعليقة على العروة الوثقى - قد أقروا بما أورده صاحب العروة أو أضافوا لما ذكره بعض القيود ( من قبيل قولهم بما لا يوجب إنكار التوحيد والرسالة ) « 1 » . وللوقوف على عمق المفاسد التي انطوت عليها هذه المسألة ، نرى من الضروري هنا الإشارة إلى نموذج ورد في الدفتر الرابع للشاعر المثنوي حين نقل قصة طويلة بشأن قول « بايزيد » سبحاني ما أعظم شأني ، فقد واجه اعتراضاً من صحبه ، فقال لهم : « لا إله إلّاأنا فاعبدون » فقالوا له ما تقول ؟ ! قال : سأقول ذلك ثانية فاحملوا السكاكين واطعنوني بها . فشهر صحبه سكاكينهم وجعلوا يطعنونه ، إلّاأنّهم شعروا بأن كل طعنة كانت تمزق أجسادهم لا جسده . فهذه الأسطورة الخرافية من شأنها الإشارة إلى مدى الاندفاع والتيه الذي بلغه أصحاب هذا المسلك . وأخيراً نختتم هذا الموضوع بما أورده أحد المعاصرين من شرّاح نهج البلاغة إذ قال بهذا الخصوص : انّ هذا المذهب ( القائل بوحدة الوجود بمعنى وحدة الموجود ) إنّما يتنكر لكافة القوانين العقلية والأسس الوجدانية وروح الأديان الإلهية ، ويرفع من شأن عالم الوجود ليبلغ به المرتبة الوجودية الإلهية أو ينزل بالوجود الإلهي إلى الحضيض فيسويه بسائر مخلوقاته ، ويبدو أن مثل هذا المذهب إلى الأذهان والأذواق والهروب من الإشكالات أقرب منه إلى التعقل والالمام بالواقعيات . « 2 »

--> ( 1 ) للوقف على المزيد راجع الكتاب مصباح الهدى 1 / 410 للمرحوم آية الله الشيخ محمد تقي الآملى ( الفقيه والفيلسوف المعروف ) وكذلك تقريرات المرحوم تقريرات المرحوم آية الله الخوئي 3 / 81 - 82 . ( 2 ) ترجمة وتفسير نهج البلاغة ، الأستاذ الجعفري 2 / 64 .